ابو القاسم عبد الكريم القشيري
5
لطائف الإشارات
نعم صدق الأستاذ الإمام ، فالكتاب مملوء بدعاوى وحدة الوجود ، وما جرّه هذا المذهب من ويلات ، ولسنا هنا بصدد دراسة تفصيلية له ، ولكننا نشعر بالحاجة إلى أن نسوق شواهد قليلة تثبت مجانبة هذا التفسير للحق ، وكيف أنه لا يصح أن يكون نموذجا للاتجاه الصوفي السديد - كما حلا لجولد تسيهر أن يظهره ويتحمس له ، ليخرج من ذلك بأحكام عامة يصدرها عن التصوف الإسلامي - كأنما يروى غليله . ففي سورة المزمل عند قوله تعالى ( واذكر اسم ربك وتبتّل إليه تبتيلا ، يقول : ( واذكر اسم ربك الذي هو أنت . . ) ! ! ج 2 ص 352 . وفي سورة الواقعة عند قوله تعالى ( نحن خلقناكم فلولا تصدقون ) ، يقول : نحن خلقناكم بإظهاركم بوجودنا ، وظهورنا في صوركم ) ج 2 ص 291 وليس هذا التصوّر بمستغرب على من يقول إن عجل بني إسرائيل أحد المظاهر التي اتّخذها اللّه وحلّ فيها ! ! وليس من الإنصاف أن يقال للناس هذا هو رأى الصوفية المسلمين ولا رأى بعده ، بل يجب أن نضع في اعتبارنا أن مذهب وحدة الوجود مذهب فلسفي يبتعد عن المنهج القلبي العرفاني الذي اختطه أرباب المجاهدات والأحوال للوصول إلى وحدة الشهود ، وفي وحدة الشهود - ومهما قيل عنها من كلام ظاهره مستشنع وباطنه سليم على حدّ تعريف أبى نصر السراج الطوسي للشطح - يبقى دائما شئ هام قوى ناصع أن العبد عبد والرب رب ولا تداخل ولا امتزاج ولا حلول ولا اتحاد ، بل بمقدار ما يصل العبد إلى تحقيق عبوديته يصل إلى التحقق من ربوبيته الرب وتنزيهه عن كل إفك وباطل . . . تعالى اللّه علوّا كبيرا . ولا ينبغي لنا أن نغض الطرف عن قيمة التفاسير المبعثرة في المراجع الصوفية الكبرى لآيات بعينها من القرآن الكريم ، فإن تبعثر هذه التفاسير لا يحول دون تقديرها حق قدرها ، ذلك لأنها غالبا ما سيقت لتدعيم موقف أو لتشهد على استمداد فكرة أو لفظة ، فهي من هذه الناحية لا تخرج عن كونها تفسيرا صوفيا غير مجموع . وفيما عدا ذلك يمكن القول إن أبرز التفاسير الصوفية التي نعرفها كتابان أولهما « عرائس البيان في حقائق القرآن » لأبى محمد روزبهان بن أبي النصر البقلى الشيرازي المتوفى سنة 606 ه [ كشف الظنون ج 2 ص 21 ]